1
admin
13, فبراير 2018
1354
0

ثمة منطقةٌ بالفضاء تسودها مستوياتٌ عالية من الإشعاع، وتطير فيها السفن الفضائية على نحوٍ شاذ، كما تتوقف فيها أجهزة الكمبيوتر في تلك السفن الفضائية عن العمل.

يروي تيري فيرتس، وهو رائد فضاء سابقٌ في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء في الولايات المتحدة (ناسا) أنه قرأ، حتى قبل أن يعمل في هذا المجال، قصصاً عن رواد فضاء رأوا ومضات بيضاء اللون من الإشعاع، خلال رحلاتهم الفضائية.

وكانت تجربته الشخصية مع هذا الأمر في الليلة الخامسة من أولى رحلاته للفضاء، والتي بدأها عام 2010 على متن مكوك الفضاء "إنديفور"، وقال عنها إنه كان قد دلف لفراشه لتوه وأغمض عينيْه قبل أن يلمع أمام ناظريْه وميضٌ هائل الحجم أبيض اللون يغشى الأعين، دون أن يسمع أي صوت.

والآن بات رجال الأعمال، الذين ينخرطون بأعدادٍ متزايدة في مجال رحلات الفضاء، مثل الرئيس التنفيذي لشركة "سبيس إكس" إيلون ماسك الذي أطلق مؤخراً صاروخه "هيفي" من ولاية فلوريدا الأمريكية، بصدد اكتشاف أنه سيتعين عليهم التعامل مع مثل هذه الظواهر الغريبة في الفضاء.

ومن أغرب هذه الظواهر تلك التي شهدها فيرتس، والتي تحمل اسم "شذوذ منطقة جنوب المحيط الأطلسي"، والتي تجمع ما بين انبعاث وميضٍ هائلٍ من الضوء دون صدور أي صوت على الإطلاق. وهي الظاهرة التي يقول بعض العلماء إنها النسخة الفضائية من "مثلث برمودا".

لكن هذه الظاهرة لا تقتصر على رؤية المرء ذاك الوميض الغريب، بل تشمل كذلك تعطل أجهزة الكمبيوتر القريبة، وتعريض الأشخاص الموجودين بالقرب من المنطقة التي تسودها تلك الظاهرة لمستوياتٍ عاليةٍ من الإشعاع، وهو ما أكسبها اسم "مثلث برمودا الفضائي".

 

وفي ضوء تزايد عدد الرحلات الفضائية المأهولة، واعتماد روادها بشكل أكبر على أجهزة الكمبيوتر، باتت المخاطر التي تشكلها هذه المنطقة أكثر حدة.

ولكي يفهم المرء طبيعة تلك المنطقة المعروفة اختصاراً باسم "إس آيه آيه"؛ ينبغي عليه أن يستوعب أولاً ماهية "حزاما فان آلِن الإشعاعييْن"، وهما عبارة عن نطاقين من الجسيمات المشحونة؛ يتخذان شكل كعكةٍ ويحيطان بالأرض ويبقيان في مكانيهما بفعل المجال المغناطيسي لكوكبنا.


ويقول فيرتس في هذا الشأن إن الشمس "توّلِدُ قدراً هائلاً من الإشعاع. وجانبٌ كبيرٌ من هذا الإشعاع عبارة عن جسيماتٍ، مثل الإليكترونات التي تنطلق بسرعة من على سطح الشمس. وكل هذه المواد تُطلق في الفضاء، ومن شأن المجال المغناطيسي للشمس جعلها تنحني (في مسارها). وعندما تصل إلى الأرض تعلق في مجالنا المغناطيسي، وتشكل هذين الحزاميْن الإشعاعييْن في الفضاء".

الخبر السار في هذا الشأن يتمثل في أن "حزامي فان آلِن" يحميان الأرض من تلك الجسيمات الإليكترونية المشحونة للغاية بالطاقة، والتي تقذفها بها الشمس، لكن النبأ السيء هو أن ثمة تعقيداتٍ أخرى في الأمر.

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الأرض ليست مستديرةً تماماً، بل إنها منتفخة قليلاً في المنطقة الوسطى منها، كما أن أقطابها المغناطيسية لا تتماشى بشكلٍ كاملٍ مع أقطابها الجغرافية، وهو ما يجعلها مائلةً ومنحنيةً، ما يؤدي إلى أن ينحني مسار "حزاميْ فان آلِن" بدورهما.

وهكذا تكون منطقة "إس آيه آيه" هي تلك الواقعة في البقعة التي يكون فيها الحزام الداخلي من "حزامي فان آلِن" في أدنى ارتفاعٍ له، وبالتالي في أقرب نقطةٍ للأرض. ونظراً لهذا الشكل المنحني، يكون المجال المغناطيسي للأرض في أقوى حالاته في شمال كوكبنا، تاركاً المنطقة الواقعة فوق جنوب المحيط الأطلسي والبرازيل في مسار أحد حزامي "فان آلِن".

ورغم أن ذلك لا يشكل خطورةً على كوكب الأرض، فإنه يُلحق أضراراً جسيمة بأي قمر اصطناعي أو مركبة فضائية تمر بتلك المنطقة، مثل المحطة الفضائية الدولية. وتمتد الأضرار كذلك إلى أي أشخاصٍ على متن هذه المركبات، وهو ما يعرفه فيرتس بشكلٍ جيدٍ للغاية، فقد خَبُرَ ذلك في رحلته عام 2010، وفي الفترة التي قضاها على متن المحطة الفضائية الدولية عام 2014.

وهكذا، يُسجل رواد الفضاء الذين يواجهون هذه الظاهرة رؤية ومضاتٍ بيضاء اللون، بجانب إصابة أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم بخللٍ وأعطاب. ويقول فيرتس في هذا الصدد: "لدينا في وكالة ناسا حروفٌ مختصرة للإشارة إلى كل شيءٍ (يواجهنا)، وهي هنا SEU's للتعبير عن مصطلح الاضطرابات الناجمة عن حدثٍ واحد. ويعني ذلك أن جهاز الكمبيوتر الخاص بك أصيب بالفواق، وأن ذلك يحدث مرات كثيرة نسبياً".

ويقول فيرتس عن هذه المنطقة إنها معروفةٌ جيداً بأنها البقعة "التي تحدث فيها مشكلاتٌ لكل أنواع الأجهزة والمركبات التي تُوضع في المدار حول الأرض لجمع معلومات، فالأمر لا يقتصر على المحطات الفضائية المأهولة بالرواد، بل يشمل كذلك أقمار الاتصالات العادية وغيرها".



 رغم أن "الأضواء القطبية" قد تبدو ذات تأثيرٍ درامي من على سطح الأرض، فإن تأثيرها يكون خلاباً بشكلٍ أكبر من الفضاء، كما يقول تيري فيرتس

ومن أمثلة هذه المشكلات، عجز مرصد هابل الفضائي في الوقت الحاضر عن تسجيل ملاحظاتٍ عن الفلك والفضاء، خلال مروره بالمنطقة "إس آيه آيه".

ويشير فيرتس إلى أن المرء يرغب في أن يمر بتلك المنطقة بأقصى سرعة ممكنة "سواءٌ وأنت في الطريق إلى القمر، أو إلى أي مكان آخر تكون في سبيلك للذهاب إليه".

إذن كيف تُوفر الحماية لسفن الفضاء وروادها من هذه الضربات الإشعاعية؟ الإجابة كما يقول فيرتس تتمثل في الماء، الذي يشكل - بحسب تعبيره - الدرع الأفضل من نوعه في هذا الشأن.

ويشير إلى أن الرواد على متن المحطة الفضائية الدولية يستخدمون "جداراً مائياً"، وهو - كما يقول فيرتس - عبارة عن مجموعة من أكياس المياه الكبيرة التي تبلغ سعة الواحد منها 50 رطلاً (23 كيلوغراماً). لكن هذه الأكياس لا تُربط أو تُلف حول الأماكن التي ينام فيها هؤلاء الرواد.

وفي الوقت ذاته، تتم مراقبة مستويات الإشعاع عن كثب طوال فترة الرحلات الفضائية، وهو ما يتحدث عنه فيرتس قائلاً: "هناك العديد من الأجهزة الإلكترونية الخاصة بالرصد الإشعاعي، وهي تُحصي الضربات الإشعاعية (التي تصيب المركبة)، وترسل البيانات الخاصة بذلك إلى الأرض. وكلٌ منّا يحمل معه جهازاً لمراقبة مستوى الإشعاع طوال المدة التي نقضيها في الفضاء. وقد أبقيت هذا الجهاز في جيبي طوال الوقت في كلا مهمتيْ. حتى عندما خرجت من المركبة للسير في الفضاء، حملته معي في سترتي الفضائية".

من جهة أخرى، هناك نتيجةٌ أخرى مدهشة للمعركة المحتدمة بين المجال المغناطيسي للأرض والرياح الشمسية؛ وهي "الشفق القطبي"، أو الأضواء القطبية الشمالية والجنوبية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تضرب جسيماتٌ مشحونة بطاقة عالية وقادمة من الشمس الغلاف الجوي للأرض، مما يُوِّلدُ عرضاً لأضواء متألقة ولامعة خضراء اللون.

وقد تسنى لفيرتس خلال وجوده على متن المحطة الفضائية الدولية أن يحظى برؤية "الشفق القطبي" في أفضل صورةٍ ممكنة، ما يجعل حظه في هذا الشأن أفضل كثيراً من أقرانه ممن يُقْدِمُون على السفر لآلاف الأميال على الأرض لرؤية هذه الظاهرة.


 سيتعين على مركبات الفضاء، التي تُطلق حالياً بشكل متزايد، أن تكون أكثر مرونة في التعامل مع التأثيرات الناجمة عن المرور بـ "مثلث برمودا الفضائي"

ويروي رائد الفضاء السابق تجربته في هذا الصدد بالقول: "الأضواء الشمالية تبدو من الفضاء مختلفةً للغاية عن نظيرتها الجنوبية. فدائماً ما كانت الأضواء الشمالية تظهر من زاوية الناظر من على متن المحطة الفضائية الدولية على أنها ذاك الحزام الرفيع الذي يلوح من على مبعدة، بينما كانت الأضواء الجنوبية على الدوام هي تلك السحابة الأكبر حجماً والأكثر قرباً من المحطة".

ومن حسن حظ فيرتس كذلك أنه قد حظي بمرأى "الشفق القطبي" طوال الأيام الـ 215 التي قضاها في الفضاء. ويقول في هذا الشأن: "إنك تسبح داخل المركبة، وتطير عبر هذه السحابة المتراقصة العملاقة ذات اللونين الأخضر والأحمر التي لا يوجد ما يضارعها على الأرض".

لكن بعيداً عن الجمال الذي يكتسي به هذا المشهد، فقد بات على مركبات الفضاء تحسين قدرتها على التعامل بمرونة مع منطقة "إس آيه آيه"، وما تموج به من إشعاعات، وذلك في ضوء أن أعداد هذه السفن صارت في تزايد، كما أصبحت مهامها تتوغل إلى أعماقٍ أكبر في الفضاء.

وهنا يقول فيرتس: "كلما توغلنا على نحوٍ أعمق في النظام الشمسي، ومضينا لمسافاتٍ أبعد عن الأرض، لن يكون بوسعنا الحصول على مساعداتٍ في التو واللحظة من مركز التحكم في المهمة على الأرض. ربما سيتعين علينا الانتظار لبضع دقائق قبل الحصول على رد، بسبب سرعة الضوء. لذا ينبغي أن تكون أجهزة الكمبيوتر أفضل حالاً (عبر تزويدها) بتقنية الذكاء الاصطناعي، وما شابه".

ويضيف بالقول: "كلما حصلت على أجهزة كمبيوتر أكثر قوة وفاعلية، كانت هذه الأجهزة عرضةً بشكل أكبر للتأثر بالمشكلات الناجمة عن الإشعاع".

ويَخْلُصُ فيرتس إلى القول: "سيكون ذلك أمراً مهماً بحق بالنسبة لعمليات استكشاف الفضاء في المستقبل".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

رابط مختصر للموضوع
لاضافة الموضوع في منتداك
التعليقات
اختياري
تابعنا هنا أيضاً
رابط اللقطة