0
admin
21, ديسمبر 2016
1898
0

عندما عاد آخر رواد فضاء من على سطح القمر جلبوا معهم عينات من الصخور التي وجدوها هناك. كانت هذه العينات مثيرة للاهتمام من الناحية الجيولوجية، لكنها لم تخبرنا بالكثير عن كيفية بدء الحياة على الأرض أو ما إن كانت أماكن أخرى مماثلة في النظام الشمسي قد تدعم وجود كائنات حية عليها. في ذلك الوقت، بدى من غير المحتمل أن يعيش أي شيء هناك، ولكن في المرة القادمة التي نزور فيها كوكبا مجاورا سيكون البحث عن الحياة على رأس قائمة أولوياتنا.

وإذا ما وطئت أقدام البشر مرة أخرى كوكبا آخر في نظامنا الشمسي وبدأوا يبحثون عن الحياة، فإنهم سيفعلون ذلك بعد تلقيهم التدريب في بعض البيئات الأكثر إرهاقا على الأرض وهي الكهوف، التي تعد أفضل إعداد لهؤلاء المستكشفين الذين يتسمون بالجرأة الشديدة.

لهذا السبب، ترسل وكالة الفضاء الأوروبية رواد فضاء في رحلات استكشافية لمدة أسبوعين للوصول إلى كهوف سردينيا ورسم خرائط لها والعيش فيها منذ عام 2011.

وبدت شبكة الكهوف التي استخدمتها وكالة الفضاء الأوروبية للتدريب هذا الصيف مناسبة تماما لتحقيق هذا الغرض. فعلى عمق 800 متر تحت الأرض، أمضى ستة رواد فضاء من الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا وإسبانيا ستة أيام في الظلام يستكشفون واحدة من آخر البيئات غير المستكشفة على الأرض ويرسمون خرائط لها.

وقد تشكل الموقع الذي تم اختياره، ويحمل اسم "سا غروتا"، من خلال المياه التي تمر عبر الأنفاق لتحلل الصخور. وتتراوح الكهوف ما بين شقوق صغيرة يتعين على رواد الفضاء الزحف من خلالها وحجرات تشبه الكاتدرائيات. وتكون بعض الأنفاق جافة، فيما يتطلب بعضها معدات غوص لعبورها.

ويطلق على هذه المهمة اسم "كهوف" - ويشير التعبير الإنجليزي لها إلى المغامرة المشتركة لتقييم وتدريب السلوك البشري ومهارات الأداء - وهي مبادرة أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية لتعليم فريق متعدد الثقافات المهارات المطلوبة للعمل بشكل وثيق في أماكن محدودة تحت ضغط عال، في الوقت الذي يجري فيه أيضا البحوث العلمية أو عمليات الاستطلاع.

ولا تكمن الصعوبة في التحرك عبر الكهوف فحسب، ولكن غياب ضوء النهار يؤثر على الساعة البيولوجية لرواد الفضاء، مما يغير إدراكهم للوقت ويخل بأنماط نومهم ـ تماما كما يحدث في الفضاء.

إن طريقة التحرك داخل الكهوف واتخاذ القرارات الحاسمة والتواصل بوضوح يشبه التجول في الفضاء إلى حد بعيد. ويستخدم مستكشفو الكهوف ورواد الفضاء على حد سواء "نظام الأصدقاء" عندما يسيرون في الفضاء أو يستكشفون الكهوف، ويكرر المدربون نفس تقنيات تعليم "البطيء سريع" و"تفحص المعدات الخاصة بك ثم ثق بها".

توفر الكهوف وبعض البيئات القاحلة فوق الأرض فرصة لرواد الفضاء للتدرب على أسطح عوالم أخرى.

ويشكل البحث العلمي جزءا أساسيا من الروتين اليومي لرواد الفضاء في الكهوف، تماما كما يكون عليه الوضع على محطة الفضاء الدولية، إذ يجرون خمس تجارب يوميا على الأقل ويأخذون عينات جيولوجية وميكرو بيولوجية من البيئة للعثور على دليل على أشكال حياة فريدة تأقلمت مع تحديات العيش دون ضوء والعديد من المعادن الداعمة للحياة.

وتدرب بعثات الكهوف أيضا رواد الفضاء فوق سطح الأرض في بيئات مماثلة لأسطح كواكب أخرى. وعلى سبيل المثال، يعتبر المتنزه الجيولوجي "لانزاروت جيوبارك" بتضاريسه الصخرية المكان المثالي للتدريب على البعثات إلى المريخ. وهذا هو المكان الذي يقدم فيه الجيولوجي والمستكشف فرانسيسكو ساورو إرشاداته المتخصصة حول كيفية التعرف على العينات الصخرية المثيرة بيولوجيا في بيئات تشبه الفضاء. ويركز ساورو على العمليات الرسوبية التي تشير إلى وجود الماء وعلى كيفية تمييز النيازك عن الصخور.

يقول ساورو: "أعددنا دورة تمكن رواد الفضاء في بعثات مستقبلية إلى أجسام فلكية أخرى من اكتشاف أفضل المناطق للاستكشاف والصخور الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية العلمية من أجل أخذ عينات حتى يتمكن العلماء من إجراء المزيد من التحليل لها لدى عودتهم إلى الأرض".

ويعتبر ساورو في موقع مثالي لتعليم فريق رواد الفضاء كيفية إيجاد الحياة في أكثر البيئات تحديا على الأرض. فهو لم يجد حياة في الكهوف وحسب، بل أصبح أيضا خبيرا في العثور على الكهوف في أماكن لا يفكر الأغلبية في مجاله في النظر فيها. وكان أعظم إنجاز له حتى الآن اكتشاف كهف "إيماواري يوتا" في أميركا الجنوبية.

وشبكة كهف إيماواري يوتا المعروفة أيضا باسم "بيت الآلهة" هي كهوف من صخور الكوارتز تقع في أعالي جبال تيبوي المستوية في فنزويلا. وعادة، لا يتوقع أن يكون هناك كهوف في الجبال المكونة من صخور الكوارتز (وهي صخور يشكل الكوارتز فيها 95 في المئة) لأنها شديدة المقاومة للتحلل بالماء ـ لذا فإن هذه الشبكة غير اعتيادية للغاية. وحقيقة وجود كهوف فيها تعني أنها ـ إضافة إلى التضاريس الطبيعية حولها ـ قديمة جدا.

ويعتقد أن هذه الكهوف هي من بين الأقدم في العالم ، إذ يتراوح عمرها ما بين 50 و70 مليون عام. ويستكشف ساورو كهف "إيماواري يوتا" مع مجموعة نظمت من خلال فريق "لا فينتا"، وهو فريق دولي من مستكشفي الكهوف. وعندما قال سكان محليون إنه يوجد كهوف مخفية عاليا في الغابات المطيرة في فنزويلا، بدأ فريق استكشاف من "لا فينتا" البحث عنها عام 1995، ولكن تلك الكهوف ظلت بعيدة تماما عن الأنظار حتى عام 2003.

وأظهرت صور أولية صدوعا وتشققات حتى في المناطق السفلى من الجبل، ولكن اكتشافا عرضيا من قبل مجموعة من المتنزهين شجع الفريق على البحث في مستويات أعلى.

وقد حدد الفريق، مستخدما صور الأقمار الصناعية والمسح الجوي، انهيارات سطحية في التضاريس دلت على وجود شبكة كهوف تحتها. وكشف المزيد من الاستكشاف عن شبكة كاملة من الكهوف التي لم تكن مكتشفة من قبل.

رواد الفضاء مثل تيم بيك تدربوا بالفعل في الكهوف قبل البعثات الفضائية

وقد أدى استبعاد احتمال العثور على كهف في صخور الكوارتز وصعوبة الوصول إلى أعالي الجبال المسطحة التي تقع فيها "إيماواري يوتا" إلى بقاء هذا الكهف غير معروف لفترة طويلة. وللوصول إلى باب الكهف، كان يتعين على الباحثين استخدام طائرة مروحية ـ وهو الأمر الذي يمكن أن يكون خطيرا ـ أو التجوال لعدة أيام في الغابات المطيرة. وعندما بدأت مجموعة ساورو استكشاف "إيماواري يوتا"، لم يكن لديها أي فكرة عما قد تجد. وخلافا لاستكشاف الكهوف الطبيعية، لم يتمكن مستكشفو الكهوف من التكهن بشأن ما قد يحتوي عليه نظام قديم جدا ويعرف عنه القليل كنظام إيماواري يوتا.

ويقول ساورو:" أروع شيء بالنسبة لي هو أن تلك الكهوف قديمة جدا ـ تبلغ ملايين وملايين السنين ـ لذا فهي شاهدة على الماضي. الأمر يشبه دخول مكتبة عملاقة حيث يمكنك إيجاد معلومات عن أسلافك وعن الحياة في الماضي".

ومن خلال دراسة هذه العوالم القديمة، يأمل ساورو أن يفهم بشكل أفضل الحياة الميكروبية المبكرة التي تم الحفاظ عليها في العزلة. ويمكن أن يكون ما نتعلمه من هذه الميكروبات بالغ الأهمية لفهم كيف يمكن للحياة أن تكون موجودة على أجسام فلكية أخرى في نظامنا الشمسي. وسواء كانت تعيش في بيئات مظلمة وباردة ورطبة مماثلة لتلك التي وجدت في إيماواري أو كانت قد وجدت طرقا جديدة للتأقلم مع العزلة المفرطة ـ فمن المرجح أن أي حياة تشترك في العديد من أوجه التشابه مع الميكروبات البدائية هنا على الأرض.

ومن خلال الدروس التي تعلموها من ساورو ومبادرة الكهوف التي أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية، بات الجيل القادم من رواد الفضاء على استعداد أفضل. ويبقى السؤال عن الوقت الذي سيصل فيه الجيل القادم من رواد الفضاء إلى كوكب آخر دون إجابة، ولكن من خلال بحوث مستكشفي الكهوف مثل ساورو، نقترب أكثر من فهم ما قد تبدو عليه أي حياة تعتبرها أي كائنات حية موطنا لها.

رابط مختصر للموضوع
لاضافة الموضوع في منتداك
التعليقات
اختياري
تابعنا هنا أيضاً
رابط اللقطة